محمد خليل المرادي

175

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

أنقى وأظرف من الفضّة . ولد في حدود سنة أربع وثلاثين ومائة وألف ، وقرأ على الشيخ درويش الكردي ، والعلّامة جرجيس الأربلي ، وسافر إلى صوران . فقرأ على عامة علمائها ، كالشّيخ الصّالح فضل اللّه الحيدري ، والشيخ فتح اللّه ، والشيخ صالح وغيرهم . ورجع فاستخدمه الوزير حسين باشا ، ورحل معه إلى القرص ، ووان . وولاه بعض البلاد الصغيرة كأرويش ، وما زال مكرّما عنده ، حتى عاد قبل السبعين . فاستخدمه الوزير الكبير محمد أمين باشا ومكث عنده سنين . ثم رحل إلى القسطنطينية ، فولّي حساب بغداد ، ودفتر قلاعها وأراضيها ومياهها . فمكث على ذلك قدر أربع سنين ، إلى أن ولي الوزارة علي باشا فحبسه وآذاه . ثم أطلق وعاد إلى الموصل راجعا ، فقبض عليه ثانيا في قلعة كركوك ، ثم أطلق وعاد إلى الموصل . ومكث فيها قريبا من سنة . ثم رحل في رمضان في سنة ستّ وسبعين ومائة وألف إلى القسطنطينية وركب البحر . وفي الطريق صادفه بعض خدّام البوّاب الأعظم ، وعندها أمر له بالعود إلى بغداد لمحاسبة أهلها ، وقد مات وزيرها علي باشا ، ووجّهت إلى عمر باشا . ولمّا وصل ماردين ، منع من العود وبقي فيها برهة ، ثم أطلق سبيله فعاد إلى الموصل فلم يدخلها حتى وصل إربل فلم يتمكّن من مجاوزتها . ومكث مدّة ثم أمر به إلى قرية في قرب بغداد ، تعرف بالدجين ، ومكث هناك يسيرا . ثم أمر به إلى الحلّة وقد قاسى الأهوال العظيمة . وكان بعد موت سليمان باشا ، قد جعل نائبا في الحكومة والإمارة قائما مقامه ، حتى ورد الأمر الشريف بعزله ، وولي ذلك الوزير المكرّم أمين باشا . ومعاداة الوزراء له سببها ولايته أمر بغداد ، وبذله الأموال حتى صار في الكرم والسخاء حاتم زمانه ، ومأمون أوانه . وقد مدحه من الشعراء الجمّ الغفير بالقصائد البديعة . وبعد انقضاء أيّام الحصار وكشف تلك الغمّة ، سافر صحبة الوزير محمّد أمين باشا إلى القسطنطينية ، وفي عوده منها دخل حلب الشهباء . وبالجملة فقضاياه ومناقبه تحتمل أسفارا عديدة . وله مؤلّف حافل في تراجم أبناء العصر سمّاه الروض النضر ، حذا فيه حذو الريحانة والنفحة . وله شعر كثير . فمن ذلك قوله من قصيدة يتشوّق بها إلى بلدته الموصل : ما فاح نشر صبا تلك المعالم لي * إلّا وأذريت دمع العين في وجل ولا شدا الورق في أيك على فنن * إلّا وصرت لشوقي جاري المقل ولا تذكرت أوطاني ومنزلتي * إلّا وأيقنت أنّ العزّ بالنقل